Uncategorized

هُناك؛ في محكمةِ السماء..

2015/01/img_5984-1.jpg

عندما أحبَ عنترة عبلة، لم يعلم بأن لونه سيقِفُ حائلاً أمام وصولهِ لمحبوبته، و لم يعلم بأن عمه سيجعل من رأسهِ مهراً لها بين فرسانِ القبائل، لم يعلم بأنه سيُرفض، و يُذل و يُهان، لا لشيء، سوى أن قُطرةً من دمٍ حبشيٍّ تجري في عروقه.
و عندما عشِقَ قيس ليلى، لم يعلم بأنه سيُطعنُ ألف طعنةٍ في بُعدها و ستمضي أيام حياتهِ فارغةً حتى يأتي الموتُ الأكبر و ينتشل روحَهُ من جسده الذي أعياه عشق العامرية و تُرفع روحه الى السماءِ قبل ان يقبلها و يضمها إلى صدره.
و عندما ماتت بُثينة، لم تعلم بأن جميل كان مستعداً بأن يودع حياته على أمل أن يجمع الله بينهما في حياةٍ أخرى.
و عندما أحببتك أنت؛ لم أكُن أعلم بأن الحب خطيئة في أعين أشباه بشر، لا يعلمون من العشق سوى ما وُجِد خلف الأبواب المغلقة.
عندما أحببتك؛ لم أكن أعرف بأنني سأجد متعتي في التجولِ بين أحرف الغزل، و سأجد سعادتي في دواوين العشاق، و متعتي في الغناء لمجتمعنا المتوّحش؛ ذلك الذي لم يعرف طريقه إلى الحب، أو إلى الله.. ذلك الذي لم يعرف الفرح كيف يجد طريقه إليه ولا كيف يستوطن في أعماقه، ذلك الذي يُمارَسُ العنف فيه في ضوء النهار، و يختبئ فيه المحبون خلف ألف ستار.
سيدي؛ يا ليت قومي يعلمون كيف أنهم يحرِمون أنفسهم لذة الدنيا، و يسلبون من بين أيديهم حقاً كان قد كُتب لهم من أيام الأولين. يا ليت قومي يعلمون سيدي؛ بأننا – أنا و أنت- لسنا مثلهم، و لم نكن يوماً كذلك؛ نحن لم نجد متعتنا في صهر جماجم الذواتِ المحطمة، و لا في البكاء على تلك العجوز التي خسرت معركتها مع مخالب المرض. نحن يا عزيزي، لم نبحث يوماً عن أنفسنا في بحور المتناقضات ولم نكن ذلك الضجيج المزعج الذي كثيراً ما أيقظ سكان المقابر. نحنُ وجدنا بعضَنا في بعضِنا؛ في إنحناءةِ كفي، وجدت نفسك و في طول ظلك؛ وجدتني. و لأننا وجدنا أنفُسنا بسهولة، و لأننا لم نكن مثلهم، غضبوا كثيراً. رموك بعيداً عني، هناك في بئر يوسف و علقوا جثتي أنا على بوابة الهرب، و شربوا لإنتصارهم، و ضحكوا بسعادةٍ على ما فعلوا.. ضحكوا كثيراً سيدي.
و لكن أعدكِ.. هُناك في محكمةِ السماء، و بين أيدي الإله.. سيقف المظلومون. سيقف عنترة و عبلة، و قيس و ليلى و جميلُ بثينة، و أنا و أنت. هُناك، ستُخرس أفواهُهم و سننطق نحن. و سنشكوا حالنا إلى الله و سنخبره كيف أنهم حرّموا علينا ما أحله، كيف أنهم إقتلعوا الطهر من الحب فلم يبقى منه سوى النجاسة. لن يُقاطِعنا أحد.. و لن يقطع ألسنتنا أحد، بل و ستنطق الأيدي و الأماكن و الأرجل و حتى الحجر و سيخبرونه كيف أننا ظُلِمنا، كيف أنهم جعلوا منا تماثيلاً يخيفون بها صغارهم و يتعِضُ منها كبارهم..
هُناك، في محكمة الإله.. سنقف معاً و سنصرخ، و سنعلن بأننا – و إن تأخرنا – إنتصرنا أخيراً على القدر.. على المجتمع الذي هرب كثيراً من الحب حتى أهلكه العطش فسقط ميتاً في أحضان الكراهية.
هُناك، سنعودُ معاً لنعيش قصتنا من جديد، هُناك.. في السماء.. بعيداً عنهم… ووقتها أعدُك، سيكون لحكايتنا وقعٌ آخر.. هُناك، سنهمس لهم “يا ليتكم كنتم تعلمون”، و سيردون بكل أسى”و قد علمنا”

Advertisements

One thought on “هُناك؛ في محكمةِ السماء..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s