Uncategorized

في وُجودي، إنتصار!

IMG_6457

وجدتُه على رفِ تلكَ المكتبةِ العتيقة، على غلافهِ قرأتُ اسمي، كتابٌ من عبق الذكريات، حروفهُ تعصي الحكاية، تتراقصُ حزناً على نغمِ الواقع الدافئ، تصفحته قليلاً..

في الصفحة الأولى؛ وجدتني طفلة. أجرجر حقيبتي ال”سنووايت” الثقيلة وانا امشي مرتديةً لباسي المدرسي الأزرق، و شرائط بيضاء تزين جدائل شعري الأسود. أشقُ طريقي إلى آخر الفصل، و أجلس على آخرِ كرسي، أبحث عن مقلمتي و دفتري في وسط كومة الكتب عندما سمعت المعلمة تقول “شمسة، جمعي الواجبات”. رعشةٌ لمت جسدي. نسيت! نسيتُ حل الواجب! كنتُ أدرس لإختبار الرياضيات، و نسيتُ حل الواجب. كانت دقاتُ قلبي تزداد كلما اقتربت مني شمسة، فَضَةٌ كانت، لا تملك من براءة الطفولةِ شيئاً، كثيراً ما كنت افكر، لماذا هي هكذا؟ رغم طفولتها، كبيرة. لا تشابهنا في شيء، كلامها ككلام الكبار، نظراتها كنظرات الكبار، لا تجلس الا مع الكبار، و لا تحمل من القصص سوى حكاياتِ الكبار، كانت امرأة ثلاثينية في جسد طفلة. قالت لي “وين الواجب؟” تلعثمت “ما عندي” قلتُ في خوف. “مس! سلمى ما حلت الواجب”، “وليش ان شاء الله ما سويتي الواجب الشيخة سلمى؟” كانَ صوتها حاداً و صراخها عالياً. “مس اول مرة مس والله نسيت”، لم أُكمل جملتي، صفعتني، صفعتي لأنني، ببساطة، لم أحل الواجب. معلمتي، تلك التي كان أبي يخبرني كيف انه علي أن اوفيها التبجيلا، معلمتي، وريثةُ الأنبياء، تلك التي تبني بالعلم أجيالاً، صفعتني بحجةِ ان “التربية” قبل “التعليم”. بدأت أبكي، “عشان تتعلمين ما تنسين مرة ثانية” و التفتت على بقية الفصل “اللي ما يحل الواجب بيصيح نفسها تفهمون!” و فهِموا، و لم ينسى أحد واجب معلمة التربية الإسلامية، ولا حتى أنا. كنتُ أنا الدرس، و المثل الذي ضُرِب. وجدُتني في الصفحة الأولى مصفوعةً امام الجميع.. أُهنت، فتألمت، فبكيت.. لم أكن أعلم حينها بأن نسيان الواجب خطيئة.

في الصفحة الخامسة و العشرين، وجدُتني في الرابعة عشرة من عمري. عندما كنت أريد طول جواهر، و وجه لطيفة، و لون عيني نورة، و أنفُ سارة، و ضحكة خديجة. عندما صرخت بي أمي “ليش ما تصيرين نفس فلانة!”. عندما ظنّت أختي بأنني نائمة و قالت لأمي “تدرين انه بنتج ترفع الضغط، ماباها تطلع وياي!”. عندما تغَيرت، عندما -كما قال الجميع- “احلّويت” عندما أَرضيتُ الجميع.. الا أنا. عندما رسمت ابتسامةً على وجه الجميع.. الا أنا. عندما سمعتُ أمي تقول بكل زهو “هاي آخر العنقود”، و جائتني أختي تسأل “بنطلع، اتيين ويانا؟”. عندما كنت الجميع.. الا أنا، عندما كسبتُ الجميع.. و خسرتني أنا.

في الصفحة الثامنة و الستين.. وجدتني في السابعة عشرة من عمري، أكتُب. أرتِبُ الأبجدية و أُشَكِّلُها حروفاً و جُملاً تأخُدني بعيداً، عندما وَضَعت نفسي رأسها على كتفِ القلم، و قَبَّلتُ الحياةَ قُبلةً أخيرة و هربتُ بعدها من الواقع، عندما شققت طريقي من هامشِ الصفحة إلى منتَصفِها حتى يقرأني الجميع، عِندما -في وسطِ صمتي- إنتقدتُ الصمت، عندما صُلِبَت روحي على أجنحة الطيور التي هاجرت حيثُ الربيعُ لا ينتهي.

أنهيتُ القراءة، تحسست وجهي؛ وجدتني على مشارف العشرين من عمري. ضحكت، لأنني إنتصرت. ببقائي، بحروفي، بجُملي، بكتاباتي، إنتصرت. إنتصرتُ على صفعة المعلمة، على توقعات الجميع، على “فلانة” التي كثيراً ما قارنوني بها، على شمسة التي كانت تضحكُ بهدوء بينما كنت أنا ابكي. أغلقت الكتاب، و تركتُ ما قرأتُ فيهِ، فيه. في بقائي هنا، إنتصار. في تأرجحي بين الأمس و اليوم، إنتصار. في كل قطرةِ حبرٍ تقطرُ من قلمي، إنتصار. في كل حرفٍ يُخَطُّ على دفاتري، إنتصار. في كل ألمٍ سكن الذاكرة، إنتصار. في كلِّ نيةٍ صادقة انويها للصعود إلى الأعلى، إنتصار. وجُع الأمس ولّى، و لم يبقى من الغدِ سوى الإنتصار.

Advertisements

One thought on “في وُجودي، إنتصار!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s