Uncategorized

جرب.. أن تقرأ

“لا يوجد شخص يكره القراءة.. هناك فقط أشخاص يقرؤون الكتب الخاطئة” هكذا كان يقول جيمس باترسون، مؤلف روايات اليكس كروس. وأنا أوافقه الرأي تماماً. عندما تجدني إحدى صديقاتي أمسك كتاباً، و تخبرني بأنها تكره القراءة و تسألني بدهشة كيف تقرئين؟ تطفو على رأسي علامات التعجب. بالنسبة لهم القراءة مهمة شاقة تتطلب مجهوداً كبيراً و وقت فراغ طويل، و بالنسبة لي الحصول على إجابة مناسبة لتساؤلهم الغريب؛ تلك هي المهمة المستحيلة.

 لا أعرف كيف أجيب على سؤالٍ كهذا؟ كيف أقرأ؟ لا توجد إجابة محددة مختصرة سهلة الفهم تفي بالغرض. هم يعتقدون بأن القراءة أمر صعب و من يقرؤون يملكون نوعاً من القوى الخارقة، ولا يعلمون بأنه و بعد أول كتاب يصبح الأمر أشبه بالروتين اليومي، نوعٌ من الإدمان الجميل الذي يجعلك تعود بلهفة لتصفح ما تبقى لك من ذلك الكتاب. ليس صعباً أن تقرئين صديقتي، فقط عليكِ أن تجربي.

و أنتَ أيضاً، فقط عليكَ أن تقرأ.. فقط عليكَ أن تُجرِّب.

ماذا ستخسر لو نفضت الغبار عن مكتبة أبيك، أو زرت خلسةً إحدى مكتبات حيّك، أو إستعرت كتاباً من أستاذك و جربت أن تقف أمام غلافه مُلقياً بنفسك بعيداً جداً عن عالم البشر لتغوض حيثُ تجد من الحروفِ ما يعانق روحك. جرب، أن تُغلف عقلك و تُهديه لمن يحترم ذاته، و يقدّس تساؤلاته، و يأخذ به إلى حيث يقف السؤال ممسكاً بيده الإجابة يقدمها لك بِكامل حلتها البهية لتنير لك درباً مظلماً.

جرب أن تقرأ، و أن تطير بجناحيك بعيداً عن تعوجات العالم و إنحنائاته الصعبة إلى حيث توجد الإستقامة. جرب أن تقرأ، و أن تعيش حياة أخرى؛ في بحة صوت تلك العجوز، و برائة ضحك تلك الطفلة، و دموع قهر ذلك الشاب. جرب أن تقرأ، و أن تخلق للكلمات صوتاً و تستلذ بالرقص على أوتار الجُمَل كما لو أنك تتعلق بآخر حبلٍ من أحبال الحياة.

أن لا تقرأ يعني أنك توافق على جرائم التاريخ ضد القراءة، حين قام مجرمو التتار بتدمير و إحراق المكتبة البغدادية التي أسسها هارون الرشيد و التي احتوت على فكر المسلمين في قلبها لأكثر من ستمئة عام. أن لا تقرأ يعني أنك كنت معهم عندما حملوا ملايين الكتب و دفنوها في نهر دجلة حتى تحول لونه إلى السواد.

أن لا تقرأ يعني أنك توافق على حرق كتب مكتبة غرناطة و حرق كتب مكتبة قرطبة. أن لا تقرأ يعني أن تحمل بيدك فتيلاً و تشارك الجهلة في حرق مكتبة عسقلان و مكتبة طرابلس.

أن لا تقرأ يعني أن تضع يدك في يد كمبيس -أحد القساوسة في عام 636 م- و أن تجمع الكتب معه، و تدفنها في حفرة كبيرة و تضرم فيها النيران التي لم تسكن إلا بعد 20 يوماً. أن لا تقرأ يعني أن تتفق مع سياسة “الفظائع الثلاث” التي إعتمدها الجيش الياباني حين حرق و نهب الكثير من الممتلكات الصينية منها الكتب التي كانت تخط بخط اليد و لم يكن يوجد منها سوى نسخة واحدة لكل كتاب. أن لا تقرأ يعني أن تمضي مع خوان كسيمانيز في جيشه و تدمر الكتب بهدف القضاء التام على التراث العربي و الحضارة الإسلامية. أن لا تقرأ يعني أن تساهم مع الإستعمار الفرنسي في نهم و تدمير مكتبة جامعة الجزائر التي كانت تضم أكثر من نصف مليون كتاب. أن لا تقرأ يعني أن تجلس في زاوية مدينة الري و تصفق بحرارة لمحمود الغزنوي و هو يستخرج كتب الفلسفة و الفقه و يأمر بإحراقها. أن لا تقرأ يعني أن ترى تعهد المنصور الموحدي حين حلف أن لا يُبقي شيئاً من كتب الحكمة في بلاده، أمراً عادلاً و تصرفاً عاقلاً لا يعلوه شيءٌ حكمةً و فطانة. أن لا تقرأ يعني أن تقف أمام التاريخ موافقاً على فعائل المستبدين ضد ثروة الكتب. فجرب أن تقرأ.

جرب أن تُقدس الأحرف، و تفهمها و أن تقف أمام التتار و كمبيس مدافعاً عنها بروحك، وأن ترفض سياسة الفظائع الثلاث، و أن تصفع خوان كسيمانيز و أن تحفظ الكتب في مكانٍ آمن، بعيداً عن كل من يتربص بها و يتآمر عليها، و أن تقرأ منها صفحةً كل يوم.

جرب أن تفتح لنفسك عالماً مليئاً بالجمال تضع مفاتيح أبوابه في جيبك و تهرب إليه متى ما أنهكتك متاعب الحياة.

جرب، أن تقرأ.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s