Uncategorized

قرارك الأول والأخير. 

لا أحد هنا يتخّذ قرارًا خالصًا بنفسه ولنفسه. فأنت تُكوَّن نتيجة نشوةٍ عابرة دون خيارٍ منك، وتولد وتسمّى اسمًا قد لا يعجبك دون خيارٍ منك، وتجبر وأنت مجرد طفلٍ صغير على تعلم التسليك لذلك الشاب المطفوق الذي يحاول جاهدًا إضحاكك ليثبت لمن حوله بأنه النسخة العربية من بارني عاشق الأطفال محب الصغار دون خيارٍ منك. ثم ما إن تكبر قليلًا ويشدك فضولك اللامتناهي لما حولك وتبدأ بخطو خطواتك الأولى نحو الاكتشاف والانبهار يجرّون بك جرًا إلى المدرسة حيث يتم تشكيلك دون خيارٍ منك وتعبئة عقلك المتعطش وتحويلهِ إلى ماكينةٍ لشفط وإعادة تدوير المعلومات ذاتها التي تم تلقينها لمن قبلك ومن قبل من جاء قبلك. ثم تُجرجِر نفسك وتسحبها مغصوبةً درجةً درجةً أعلى السلم الدراسي حتى تصل إلى حفل التخرج المدرسي. وأخيرًا! قرارٌ يجب أن يتخّذ. ماذا ستتخصص في حياتك الجامعية؟ شعورٌ غريبٌ يعتريك! لم تتخذ قرارًا من قبل! ولا تعرف كيف تتخذه الآن! فوالدك يريد أن يراك مهندسًا، ووالدتك تريدك أن تكون طيارًا، وزوجتك المستقبلية تريدك أن تكون طباخًا، وعمة جدة ابن عمة أمك تحلف بأنها رأتك في المنام مرتديًا البزة العسكرية شهيدًا في سبيل الوطن. فتضيع أنت وتقرر وأخيرًا إرضاء والدك لتكتشف لاحقًا بأن دراستك للتخصص الذي سيحدد وظيفة الأربعين سنة القادمة من حياتك لا تناسب ميولك، ولكنك تُجبَر على الإكمال لتعمل كروبوتٍ غلب الصدأ مفاصله في وظيفة تكرهها لتجمع مهر العروس التي تختارها والدتك لتكتشف لاحقًا وأنت في عمر الستين بأنك لم تتخذ قرارًا قط.وفي وسط خيبة الأمل هذه، تأخذ مسدسك دون شعورٍ منك وتضغط الزناد ليأتي أحفادك لاحقًا ليجدوا دمك السائل وجثتك الباردة ووجهك المبتسم الذي شعر بنشوةٍ كتلك التي بدأتهُ أول مرة، ولكن هذه المرة بخيارٍ منه. هذه المرة، كنت أنت من اتخذ القرار. قرارك الأول والأخير.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s