Uncategorized

من سيُخبر الفتاة الصمّاء بأنّ كل فمٍ متحركٍ رأته وهي حبيسةٌ في عالم الهدوء، كان في الواقع.. يشتمها؟ 

كانت تستيقظُ كل صباحٍ بابتسامةٍ على وجهها متأملةٍ سَقف حجرتها الفارغِ من كل نقش، بهدوءٍ تحمل جسدها متثاقلةً إلى دورةِ المياه، الأرضُ باردة، رعشةٌ خفيفةٌ تسري في جسدها. تفتح الماءَ لتستحم، لا صوت لهدير الماء، فقط تشعر بقطراته تغسل جسدها. 
تخرج من دورةِ المياه مرتجفةً قليلًا، كان الماء أبرد مما توّقعَت.. تمسحُ قدميها بالسجادة الصغيرة، ترى أمها أمام الباب، شفاهُها تتحرك ولكن لا كلماتَ تخرجُ منه.. لابُد أنها تلقي تحيةَ الصباح.. تُجيب بابتسامة. 

تخرج من الغرفة وتنزل إلى الطابق السفلي حيثُ ترى أخوها الأصغر وعلى وجهه ملامحُ الغضب.. يبدو أنه قد تأخر على المدرسة، تبتسمُ له.. شفاهه هو الآخر تتحرك، لابُد أنه يسألها عن حالها. تهز رأسها كإشارةٍ على أنها بخير، وتنهي جوابها بابتسامةٍ أخرى. 

تدخل إلى المطبخ، ستعدُ طعامًا لنفسها.. تُخرج صحنًا من الكبت، تضع سكينًا وشوكةً على الطاولة، تبتسم للخادمةِ التي بدورها ترد الابتسامةَ بخمول. تلتفتُ لتبدأ بتحضير الطعام ولكن الصحن ينفلت من بين يديها.. وينكسر إلى أكثر من عشر قطع، لم تسمع صوت الكسر.. ولم ترى سوى خادمةً غاضبة وشفاهًا تتحرك، أومأت برأسها في محاولةٍ للاعتذار.. شفاه الخادمةِ مازالت تتحرك، لابُد أنها إذًا تطمئنها بأن لا بأس، هو مجرد صحن.. ستنظف الأرض هي.  

تغيّر رأيها، تأخذ تفاحةً من على المنضدة، تخرج إلى الشارع لتشتم بعض الهواء، تمشي كما تمشي دائمًا، بهدوء.. عيناها متسمرتان للأمام ورئتيها مفعمتان بالهواء.. التفتت لتجد شابًا يُشير لها من داخل سيارته، يُشير لها بيديه إلى الجانب الآخر من الطريق، اوه.. ينبهها، ابتعدت مسرعة.

ثم تأتي كرةٌ من بعيد لأطفالِ الجيران الذين عادةً ما يلعبون خارجًا في مثل هذا الوقت من اليوم.. يصرخون “أعيدي الكرة”، لا تسمع شيئًا سوى الهدوء ولا ترى سوى شفاهًا تتحرك وأطفالًا ضجرين. ظلّت ممسكةً بالكرة متسمرةً في مكانها تعلو وجهها ابتسامةٌ لطيفة حتى جاء طفلٌ وأخذ الكرة منها وفمه يتحرك.. لابُد أنه يشكرها. ردّت على شكره كما ترد على كل شيء.. بابتسامة. 

تعود إلى المنزل بعد لفةٍ طويلة، ترى والدها في وسط المنزل يتحدث مع والدتها. لابُد أنه يخبرها كم اشتاق إليها، يشير إليها بيده ويكمل ما يبدو أنه نقاشٌ مهم. لابُد أنه يمتدحها. تبتسم وتصعد إلى حجرتها بهدوء. 

تقف في شرفتها متأملةً عالمها الصغير، تحطُّ على يدها عصفورةٌ صغيرة.. تتساءَل: من سيُخبر الفتاة الصمّاء بأنّ كل فمٍ متحركٍ رأته وهي حبيسةٌ في عالم الهدوء، كان في الواقع.. يشتمها؟ 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s