أخبرتكِ من قبل بأنني ملحدة، أليس كذلك؟ 

وإن كان هناكَ شيءٌ أسوأ من الحوار مع مراهقةٍ لا تعي ولا تعلم ما تريد، فهو الحوار مع مراهقة تعي.. وتعلم ما تريد. فمن صفات المراهقين بشكل عام الزيادة والإعادة والتكرار في قناعاتهم المؤقتة دون الرغبة في الحوار والنقاش فيها، خاصةً إن كانت تلك القناعات مبنيةً على مبدأ مع الخيل يا شقرا وحشرٍ مع الناس عيد. 
صدقوني، ربطُ الشالِ على رأسي وشرب جميع ما وقعت عليه يداي من مهدئاتٍ ومسكنات لم يكن كافيًا لاستيعاب الصدمات الممتالية والمتتابعة التي وجهت إلي من تلك الفتاة الستطعشرية. شعرتُ لوهلة بأنني خدُ فورمان وبأن كلماتها لكمات محمد علي كلاي وبأنني ما إن أستفيق من تأثير لكمة حتى توّجِه لي اللكمة التي تليها وتتطاير الدماء والسعابيل من فمي وأنا أصرخ الرحمة الرحمة! 
فبدأ الحوار بعد أن فرشت السجادة وقلت لها تفضلي صلّي دون علمٍ مني بأنها ملحدة! “أنا مب مسلمة”، تعجبت طبعًا ولكنني لم أسأل ولم أستفيض. فمن أنا حتى أسأَل وأُحاسِب. كما تقول جدتي “زين أعرف نيتي عشان أتربص بنوايا الخلق”. فصليت أنا، ثم أخبرتني بأنها ملحدة وانهالت على رأسي محاضرةٌ عن العقل المستنير من حيث لا أحتسب وعن عودتها من جهل الضلالة والتبعية إلى نور التفتح والإندپندِنس وبين كل كلمةٍ والأخرى تقول ” تراني ملحدة ها”. عزيزتي، فلتحل عليّ أنا لعنات السماء تباعًا إن كنت ذكرتكِ بالصلاةِ مرة أخرى! 
ثم نتحدث عن الدراسة في محاولةٍ مني لتغيير مسار الموضوع، فتقول بأن المناهج الموضوعة لا تناسب الملحدين فهي كملحدة تؤكد بأن إلحادها لا يتماشى مع هذه المناهج التي تعادي الإلحاد.. لأنها ملحدة. 
وبعد سبع ساعاتٍ من تأكيدها لي بأنها ملحدة، يتصل موّصل الطلبات ليخبرني بأن العشاء قد وصل! نعم! وأخيرًا! ربما لو التهى فمها بالطعام لسكتت من ترديد الاسطوانة نفسها مرةً تلو مرة. ثم ما إن أتى الطعام حتى حلفت بالله، عفوًا.. بالطبيعة! حلفت بزرقة السماء ورمال الصحراء وخضرة الأعشاب والسنة وشهورها وأيامها وساعاتها ودقائقها وثوانيها وقدم صرصورةٍ عرجاء وعين نحلةٍ عمياء وبلاعيم نملةٍ بكماء وشجرة البلوط التي يسكنها سنجابٌ أجرب بأنها تحب البطاطس المقلية، فهي لذيذة ومقرمشة.
 ثم تهز رأسها فجأة كمن أصابتها لفحةُ جنيّةٍ من العالم الآخر وقطّبت جبينها وعقدت حاجبيها وهدأت لأول مرة منذ بدأت هذه المحادثة وقالت “سلمى.. أخبرتكِ من قبل بأنني ملحدة.. أليس كذلك؟” 

Advertisements

One thought on “أخبرتكِ من قبل بأنني ملحدة، أليس كذلك؟ 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s